حيدر حب الله

339

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

تلك المرجعية فهذا ما يخالف عرض الحديث على الكتاب ، إلا إذا أراد من روايات التفسير ما يشمل التخصيص والتقييد ، وإذا كان قصده مجرّد التوقّف وعدم بتّ في الموضوع فهو أمر راجع إليه ، ناتج عن حالاته النفسية المنبعثة من موازنة دور نصّي الكتاب والسنّة معرفيا وعملانيا . 3 - يشير التوني في مبرّره الثالث للتوقّف إلى ما يمكن القول : إنه أوّل بداية سمحت للميرزا القمي ( 1321 ه ) فيما بعد بتحديد قيمة دلالة النصوص بمن حضرها عندما صدرت ، أي لذلك الذي شوفه بها ، لا لمن عاش العصور اللاحقة ، وهذه الفكرة وغيرها كانت سببا لتكوّن نظرية الانسداد في العقل الشيعي كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى « 1 » ، وتلتقي فكرة التوني مع مقولات الهرمنيوطيقا الحديثة أيضا ، حيث يذهب إلى أن العمومات القرآنية لعلّها كانت حين صدورها مقترنة بما يجعل معناها واضحا عند أولئك المخاطبين الذين كانوا حضروا ملابسات الصدور وظروفه الموضوعية ، ومن ثمّ لمّا استطال الزمان وتمادى وضاعت علينا تلك الملابسات الحافّة بالنص لم يعد بإمكاننا الاعتماد على فهمنا له اليوم « 2 » . وقد حاولت المدرسة الأصوليّة فيما بعد التملّص من هذه الإشكاليات بأساليب وطرق متعدّدة ، ليست مجال بحثنا فعلا ، ولعل أكمل صياغة للردّ الأصولي على هذا الكلام هو ما ذكره السيد محمد باقر الصدر ( 1400 ه ) في مقولات أصالة الثبات في اللغة رغم تحوّلها الواقعي ، والظهور الذاتي والموضوعي ، والظهور الموضوعي لعصر الفهم وعصر صدور النص ، ولسنا فعلا بصدد هذا الموضوع فلا نبتّ فيه « 3 » . بهذه المبرّرات الثلاثة اقترب التوني بعض الشيء من الموقف الأخباري ، أو فلنقل تأرجح بين الأخبارية والأصولية من حيث لا يقصد ، وربما لبعض التقارب هذا أو التأرجح نعته الخوانساري ( 1313 ه ) في « روضات الجنات » وغيره بأنّه أخباري معتدل « 4 » ، مع أنّه أصولي بالتأكيد .

--> ( 1 ) - انظر حول رأي الميرزا القمّي كتابه : القوانين المحكمة 1 : 227 - 239 ؛ وانظر حول نظريّة الانسداد التي تعني مرجعية مطلق الظن نتيجة انسداد طريق العلم أو غيره مما هو معتبر عند الشارع ، الشيخ الأنصاري ، فرائد الأصول 1 : 183 - 211 . ( 2 ) - التوني ، الوافية : 136 . ( 3 ) - للمراجعة : السيد محمد باقر الصدر ، بحوث في علم الأصول 4 : 291 - 295 ؛ وله أيضا : دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة ، القسم الأول : 276 - 280 ؛ وانظر البهبهاني في الفوائد الحائريّة : 285 - 286 ؛ حيث أشكل بأن هذا الكلام يجري في السنّة أيضا . ( 4 ) - محمد باقر الخوانساري ، روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات 1 : 137 ؛ وحسن الأمين ، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية 2 : 225 .